ابن حجة الحموي

229

خزانة الأدب وغاية الأرب

به إلى عالم مسرف على نفسه وطرق عليه الباب وكان في القائلة فقال الرجل العالم من هذا الشيطان الذي يضرب بابي في القائلة وقد قال عليه الصلاة والسلام قيلوا فإن الشياطين لا تقيل فقال إبليس ها هو قد عرفني قبل رؤيتي فلما خرج قال له إبليس هل في قدرة الله تعالى أن يدخل الجمل في سم الخياط فقال له أتشك في قدرة الله تعالى على أن يوسع سم الخياط حتى يدخل فيه الجمل أو يرقق الجمل حتى يصير كالخيط فيدخل في سم الخياط فانصرفا وقال إبليس لرفيقه معرفة هذا بالله تمحو ذنوبه وحاله خير من حال العابد الجاهل بالله انتهى وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على نوع الإغراق في معرك لا تثير الخيل عثيره * مما تروي المواضي تربه بدم بيت الشيخ صفي الدين الحلي على هذا النوع أبرزه بغير أداة التقريب وهو بيت عامر قريب من العقل بعيد من الوقوع عادة على شرط الإغراق لكنه غير صالح للتجريد وقد تقرر وتكرر أن بيوت البديعيات شواهد على الأنواع فلا ينبغي أن يكون البيت متعلقا بما قبله ولا بما بعده وبيت بديعية العميان يقولون فيه عن النبي وقد أتوا فيه بأداة التقريب حيث قالوا لو قابل الشهب ليلا في مطالعها * خرت حياء وأبدت بر محترم لو شاء إغراق وجه الأرض أجمعه * ندى يديه لأحياها ولم يضم وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي لو شاء إغراق من ناواه مد له * في البر بحرا بموج فيه ملتطم على كل تقدير مقام النبي صالح للمغالاة بالإغراق في مديحه والله أعلم ( ذكر الغلو ) بلا غلو إلى السبع الطباق سرى * وعاد والليل لم يجفل بصبحهم وقد تقدم القول على المبالغة وتقرر أنها في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة وتقرر أن الإغراق فوقها في الرتبة وهو في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة والغلو فوقهما فإنه الإفراط في وصف الشيء بالمستحيل وقوعه عقلا وعادة وهو ينقسم إلى قسمين مقبول وغير مقبول فالمقبول لا بد أن يقربه الناظم إلى القبول بأداة التقريب اللهم إلا أن يكون الغلو في مديح النبي فلا غلو ويجب على ناظم الغلو أن يسبكه في قوالب التخيلات الحسنة التي يدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة كقوله تعالى يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار فإن إضاءة الزيت من غير مس نار مستحيلة عقلا ولكن لفظة يكاد قربته فصار مقبولا ومنه قول أبي العلاء المعري تكاد قسيه من غير رام * تمكن في قلوبهم النبالا تكاد سيوفه من غير سل * تجد إلى رقابهم انسلالا ويعجبني هنا قول ابن حمديس الصقلي في وصف فرس ويكاد يخرج سرعة من ظله * لو كان يرغب في فراق رفيق ومنه قول الفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم ومن الغلو المقبول بغير أداة التقريب قول أبي الطيب المتنبي في ممدوحه عقدت سنابكها عليه عثيرا * فلو ابتغى عنقا عليه أمكنا معنى هذا البيت أن سنابك الخيل وهي أطراف الحوافر عقدت على هذا الممدوح عثيرا وهو الغبار حتى لو أراد أنه يمشي عليه عنقا لأمكن والعنق هو المشي السريع وانعقاد الغبار في الهواء حتى